الشيخ السبحاني

538

في ظلال التوحيد

تشخيص ما يرجع إليه سبحانه ، وتمييزه ما أعطاه لعباده الصالحين . إن الشفاعة المطلقة ملك لله سبحانه ، فلا شفيع ولا مشفوع له ، بلا إذنه ورضاه ، فهو الذي يسن الشفاعة ويأذن للشافع ، ويبعث المذنب إلى باب الشافع ليستغفر له ، إلى غير ذلك من الخصوصيات . فلا يملك الشفاعة بهذا المعنى إلا هو ، وبذلك يرد القرآن على المشركين الذين كانوا يزعمون أن أربابهم يملكون الشفاعة المطلقة فالشفاعة بهذا المعنى غير مسؤولة ولا مطلوبة من النبي ( صلى الله عليه وآله ) . والمسؤول والمطلوب من النبي والصالحين هو الشفاعة المرخصة المحددة ، من الله سبحانه ، أي ما رخص لهم في أن يشفعوا ويطلبوا لعباده الغفران ، فمثل هذه الشفاعة المرخصة المأذونة ليست له ، لأنه سبحانه فوق كل شئ ، لا يستأذن ولا يؤذن ولا يحدد فعله . وبعبارة واضحة : المراد من قوله سبحانه : { قل لله الشفاعة جميعا } ( 1 ) ليس أنه سبحانه هو الشفيع دون غيره ، إذ من الواضح أنه سبحانه لا يشفع عند غيره ، بل المراد أن المالك لمقام الشفاعة هو سبحانه وأنه لا يشفع أحد في حق أحد إلا بإذنه للشفيع وارتضائه للمشفوع له ، ولكن هذا المقام ثابت لله سبحانه بالأصالة والاستقلال ، ولغيره بالاكتساب والإجازة ، قال سبحانه : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } ( 2 ) . فالآية صريحة في أن من شهد بالحق يملك الشفاعة ولكن تمليكا منه سبحانه وفي طول ملكه . وعلى ذلك فالآية أجنبية عن طلب الشفاعة من الأولياء الصالحين الذين شهدوا بالحق وملكوا الشفاعة ، وأجيزوا في أمرها في حق من ارتضاهم لها .

--> ( 1 ) الزمر : 44 . ( 2 ) الزخرف : 86 .